سليمان بن موسى الكلاعي

390

الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ( ص ) والثلاثة الخلفا

إذا رحلت من منزل رجعت له * لعمر أبيها إنني لا أهينها ويمنعها من ماء كل شريعة * رفاق من الذبان زرق عيونها حديث الأنبار « 1 » وهى ذات العيون « 2 » وخرج خالد في تعبيته التي خرج فيها من الحيرة ، على مقدمته الأقرع بن حابس . فلما نزل الأقرع المنزل الذي يسلمه إلى الأنبار نتج قوم من المسلمين إبلهم ، فلم يستطيعوا العرجة ، ولم يجدوا بدا من الإقدام ، ومعهم بنات مخاض تتبعهم . فلما نودي بالرحيل صروا الأمهات ، واحتقبوا المنتوجات ؛ لأنها لم تطق السير ، فانتهوا ركبانا إلى الأنبار ، وقد تحصن أهلها ، وخندقوا عليها ، فأشرفوا من حصنهم ، وعلى الجنود التي قبلهم شيرزاد صاحب ساباط « 3 » ، وكان أعقل أعجمي يومئذ وأسوده ، فتصايح عرب الأنبار وقالوا : صبح الأنبار شر ، جمل يحمل جميلة وجمل تربه عوذ . فقال شيرزاد ، وقد سأل عن ما يقولون ، فأخبر به : أما هؤلاء فقد قضوا على أنفسهم ، والله لئن لم يكن خالد مجتازا لأصالحنه ، فبينما هم كذلك قدم خالد على المقدمة ، فأطاف بالخندق ، وأنشب القتال ، وكان قليل الصبر عنه إذا رآه أو سمع به ، وتقدم إلى رماته ، فأوصاهم وقال : إني أرى أقواما لا علم لهم بالحرب ، فارموا عيونهم ولا توخوا غيرها ، فرموا رشقا واحدا ، ففقئت ألف عين يومئذ ، فسميت تلك الوقعة ذات العيون ، وتصايح القوم : عيون أهل الأنبار فراسل شيرزاد خالدا في الصلح على أمر لم يرضه خالد ، فرد رسله ، وأتى خالد أضيق مكان في الخندق فنحر رذايا الجيش ثم رمى فيه فأفعمه ، ثم اقتحموا الخندق والرذايا جسورهم ، فاجتمع المسلمون والمشركون في الخندق ، وأرز القوم إلى حصنهم ، وراسل شيرزاد في الصلح على مراد خالد ، فقبل منه خالد على أن يخليه ويلحقه بمأمنه في جريدة خيل ، ليس معهم من المتاع والمال شئ ، فخرج شيرزاد ، فلما قدم على بهمهن جاذويه وأخبره الخبر لامه ، فقال له شيرزاد : إني كنت في قوم ليست لهم عقول ، وأصلهم من العرب ، فسمعتهم مقدمهم علينا يقضون على أنفسهم ، وقلما قضى قوم على أنفسهم قضاء إلا وجب عليهم . ثم قاتلهم الجند ، ففقئوا فيهم وفى أهل الأرض ألف عين ، فعرفت أن المسألة أسلم ، وأن قرة العين لهم ، وأن العيون لا تقر منهم بشئ .

--> ( 1 ) الأنبار : مدينة بالقرب من بلخ . انظر : معجم البلدان ( 1 / 257 ، 258 ) . ( 2 ) انظر : الطبري ( 3 / 373 - 375 ) ، الكامل لابن الأثير ( 2 / 269 ) ، نهاية الأرب للنويرى ( 19 / 112 ، 113 ) ، البداية والنهاية لابن كثير ( 6 / 349 ) ، تاريخ ابن خلدون ( 2 / 81 ) . ( 3 ) سابط : هي سابط كسرى ، موضع بالمدائن . انظر : معجم البلدان ( 3 / 166 ، 167 ) .